وهبة الزحيلي
158
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
من العقاب ، وما وعدناك به من النصر وانتشار دينك في الآفاق ، وذلك حين لا ينفعهم الإبصار . وكرر تعالى ذلك تأكيدا . والمراد بالأمر بإبصارهم على الحال المنتظرة الموعودة : الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة ، وأن حدوثها قريب ، وفي ذلك تسلية للرسول ص وتنفيس عنه عما يناله من أذى كفار قومه قريش . ثم وبخهم اللّه تعالى وهددهم على طلبهم تعجيل العذاب قائلا : أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ؟ أي كيف يجرءون على استعجال عذابنا الشديد ؟ والواقع أنهم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك ، قائلين : متى هذا العذاب ؟ والعذاب نازل بهم قطعا لا محالة . فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ أي فإذا نزل العذاب بهم أو بمحلّتهم ، فبئس ذلك اليوم يومهم ، لإهلاكهم ودمارهم . ورد في الصحيحين عن أنس رضي اللّه عنه قال : صبّح رسول اللّه ص خيبر ، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم ، ورأوا الجيش ، رجعوا وهم يقولون : محمد واللّه ، محمد والخميس - الجيش - فقال النبي ص : « اللّه أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ، فساء صباح المنذرين » ورواه أحمد أيضا بلفظ آخر ، وهو صحيح على شرط الشيخين . وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ، وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أي وأعرض أيها الرسول عن هؤلاء المشركين إلى أجل آخر يحين فيه هلاكهم ، وانظر إليهم وارتقبهم ، فسوف يرون ما يحل بهم من عقاب . وهذا تأكيد لما تقدم من الأمر بالكف عنهم ، والصبر على أذاهم . ثم ختمت السورة بخاتمة عظيمة فيه تنزيه اللّه تعالى عما لا يليق به ، ومدحه للرسل الكرام ، فقال سبحانه :